صبحي الصالح

127

مباحث في علوم القرآن

الفصل الثاني علم أسباب النزول قد جعل اللّه لكل شيء سببا كما جعل لكل شيء قدرا ، فما يبصر مولود نور الحياة إلا بعد أسباب وأطوار ، ولا يقع حدث في الوجود إلا إثر مقدمات وإرهاصات ، ولا تتغير الأنفس والآفاق إلا عقب سلسلة من التمهيد والإعداد : « سنّة اللّه في خلقه ، ولن تجد لسنّة اللّه تبديلا ! » . ولا شيء كالتاريخ يشهد بصدق هذه السنّة وانطباقها على وقائع الحياة : فما يسع مؤرخا ثاقب النظر دقيق الاستنتاج أن يجهل أسباب الحوادث ودوافعها إن أراد الوصول إلى الحقائق التاريخية الثابتة من خلال الوثائق والنصوص . لكن التاريخ لا ينفرد وحده بالحاجة إلى استنباط النتائج من خلال المقدمات ، واستبطان الحقائق من مضمون الأسباب ، بل العلوم الطبيعية والدراسات الاجتماعية والفنون الأدبية تشارك التاريخ كذلك في تطلعها إلى معرفة الأسباب والمسببات ، واستشرافها إلى العلم بالمبادئ والغايات . ولسنا بسبيل الموازنة بين ضروب المعرفة هذه لنكتشف مقدار احتياج كل منها إلى دراسة أسباب الأشياء ، وإنما يعنينا منها التنبيه إلى أمسها صلة ببحثنا الديني ، وأقربها شبها به ورحما : وهو الفن الأدبي الذي يعوّل فيه على النص الجميل متلوا مسموعا ، أو مقروءا منظورا ، فعلى صعيد هذا الفن الأدبي ما نكاد نفهم نصا ما فهما سديدا ، أو نتذوقه تذوقا سليما ، إلا إذا مهدنا بين يدي دراسته بإزاحة النقاب عن الظروف النفسية والاجتماعية التي دفعت الأديب إلى التفكير فيه ، ثم حملته على اختيار ألفاظه وابتداع معانيه .